الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والفلاح تقدم في قوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في سورة البقرة [ 5 ] . وتأكيد الجملة بحرف التأكيد ناظر إلى شمول عموم المجرمين للمخاطبين لأنهم ينكرون أن يكونوا من المجرمين . وافتتاح الجملة بضمير الشأن لقصد الاهتمام بمضمونها . [ 18 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 18 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) عطف على جملة : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ [ يونس : 15 ] عطف القصة على القصة . فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [ يونس : 15 ] حين تتلى عليهم آيات القرآن ، ومن كفرهم أنهم يعبدون الأصنام ويقولون : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ . والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفرا أظهروه في صورة السخرية والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر ، فلعلهم ( كما أوهموا أنه إن أتاهم قرآن غير المتلو عليهم أو بدل ما يرومون تبديله آمنوا ) كانوا إذا أنذرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بعذاب اللّه قالوا : تشفع لنا آلهتنا عند اللّه . وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث ( على معنى فرض ما لا يقع واقعا ) « إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى » . وهذا كقول العاص بن وائل ، وكان مشركا ، لخبّاب بن الأرت ، وهو مسلم ، وقد تقاضاه أجرا له على سيف صنعه « إذا كان يوم القيامة الذي يخبر به صاحبك ( يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم ) فسيكون لي مال فأقضيك منه » . ( وفيه نزل قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] الآية ) . ويجوز أن تكون جملة : وَيَعْبُدُونَ إلخ عطفا على جملة : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ يونس : 17 ] فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الافتراء . وإيثار اسم الموصول في قوله : ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ لما تؤذن به صلة الموصول من التنبيه على أنهم مخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، وفيه تمهيد لعطف